الدعوة والإصلاح (4)

أبو أيمن . المقالات 3987 1 تعليق

إذا فهم الشاب المسلم حقيقة وجوده في الكون ، و صحح عقيدته و عبادته ، و زكى نفسه و طهرها من أدرانها ، فقد حقق الصلاح في نفسه ، لكن الاسلام يريد لهذا الصلاح أن يعم المجتمع كله ، و المسلم الحق مثلما يحب الخير و النجاة لنفسه فهو كذلك يحبه لغيره ، لذلك كان المسلم مطالبا بتصدر عملية الاصلاح و التغيير في المجتمع ، و المسلم الصالح هو الأنسب لهذه المهمة .

مصطلحات متعددة و المعنى واحد :

الاصلاح الذي نتحدث عنه هو نفسه الامر بالمعروف و النهي عن المنكر ، و هو نفسه النصيحة ، و هو كذلك التغيير …. و الدعوة إلى الله …. و المصطلح الأخير هو الاكثر استخداما في الثقافة الاسلامية . لذلك في هذا الموضوع سنكثر من استخدامه .

معنى الدعوة إلى الله تعالى :

يقول الشيخ سيد نوح (1) ”

الدعوة لغة : هي الصياح أو النداء والطلب ، تقول : دعوت فلانا ، أي صحت به واستدعيته ، وقد تتعدي بحرف الجر ( إلى ) فيراد بها الحث علي فعل الشيء ، تقول : دعاه إلي الشيء تعني : حثه على قصده ، ودعاه إلي القتال ، ودعاه إلي الصلاة ، ودعاه إلي الدين ، وإلي المذهب : حثه علي اعتقاده .

وأما شرعا : فقد وردت فيها عدة تعاريف ، نذكر منها :

* تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية ، إذ يقول : ” الدعوة إلي الله هي الدعوة إلي الإيمان به ، وبما جاءت به رسله ، بتصديقهم فيما أخبروا به ، وطاعتهم فيما أمروا ” .

* وتعريف الشيخ فتحي يكن ، إذ يقول : ( الدعوة هدم وبناء ، هدم جاهلية بكل صورها وأشكالها ، سواء كانت جاهلية أفكار أم جاهلية أخلاق ، أم جاهلية نظم وشرائع ، ومن ثم بناء المجتمع المسلم علي قواعد الإسلام في شكله ومحتواه ، في مظهره وجوهره ، في نظام حكمه وأسلوب عيشه ، في تطلعه العقدي للكون ، والإنسان ، والحياة ” .

* وتعريف الدكتور توفيق الواعي ، إذ يقول : ( المعني الذي تحمله الدعوة الإسلامية وتحاول تبليغه للناس هو : جمع الناس علي الخير ، ودلالتهم علي الرشد بتنفيذ منهج الله علي الأرض قولا وعملا ، وأمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر ، وإرشادهم إلي الطريق المستقيم ، والصبر والمصابرة علي أعباء البلاغ ، مصدقا لقوله تعالى : (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) .” لقمان 17

الدعوة مهمة الانبياء و الرسل و اتباعهم :

(والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قام بهذه الدعوة، فإنه أمر الخلق بكل ما أمر الله به، ونهاهم عن كل ما نهى الله عنه، أمر بكل معروف، ونهى عن كل منكر) (2).

(والواقع أن الدعوة إلى الله هي وظيفة رسل الله جميعا، ومن أجلها بعثهم الله تعالى إلى الناس، فكلهم بلا استثناء دعوا أقوامهم ومن أرسلوا إليهم إلى الإيمان بالله، وأفراده بالعبادة، على النحو، الذي شرعه لهم. قال تعالى عن نوح عليه السلام: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) الاعراف 59. وهكذا جميع رسل الله دعوا إلى الله، إلى عبادته وحده والتبرؤ من عبادة سواه، قال تعالى: (لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) النحل 36 فرسل الله هم الدعاة إلى الله، وقد اختارهم الله لحمل دعوته وتبليغها إلى الناس) (3).

(وكل ما أحبه الله ورسوله من واجب ومستحب، ومن باطن وظاهر، فمن الدعوة إلى الله: الأمر به، وكلما أبغضه الله ورسوله، من باطن وظاهر، فمن الدعوة إلى الله: النهي عنه. لا تتم الدعوة إلى الله إلا بالدعوة إلى أن يفعل ما أحبه الله، ويترك ما أبغضه الله، سواء كان من الأقوال أو الأعمال الباطنة أو الظاهرة) (4).

حكم الدعوة الى الله تعالى :

ووردت في القرآن آيات كثيرة توجب الدعوة إلى الله، منها ما تخاطب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فتدخل أمته في الخطاب تبعا له، ومنها ما خاطبت الأمة مباشرة.

فمن الآيات التي تخاطب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله تعالى: (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ) الحج 67. وقوله تعالى: (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) القصص 87.

(وهذه الآيات يدخل فيها المسلمون جميعا، لأن الأصل في خطاب الله لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دخول أمته فيه إلا ما استثني، وليس من هذا المستثنى أمر الله تبارك وتعالى له بالدعوة إليه، ومعنى ذلك أن الله تعالى أكرم هذه الأمة الإسلامية وشرفها أن أشركها مع رسوله الكريم في وظيفة الدعوة إليه) (5).

وأما الآيات التي تخاطب الأمة وتوجب عليها أن تأمر وتنهي فكثيرة لا تدع عذرا لمتقاعد متخوف، كقوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)التوبة 71. قال القرطبي: (فجعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين، فدل على أن أخص أوصاف المؤمنين: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها: الدعاء إلى الإسلام) (6).

(وهذا الواجب واجب على مجموعة الأمة، وهو الذي يسميه العلماء: فرض كفاية، إذا قام به طائفة منهم سقط عن الباقين، فالأمة كلها مخاطبة بفعل ذلك، ولكن إذا قامت به طائفة سقط عن الباقين) (فمجموع أمته تقوم مقامه في الدعوة إلى الله، ولهذا كان إجماعهم حجة قاطعة، فأمته لا تجتمع على ضلالة، وإذا تنازعوا في شيء ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله وإلى رسوله. وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره، فما قام به غيره سقط عنه، وما عجز عنه لم يطالب به. وأما ما لم يقم به غيره وهو قادر عليه فعليه أن يقوم به، وقد تبين بهذا أن الدعوة إلى الله تجب على كل مسلم، لكنها فرض على الكفاية، وإنما يجب على الرجل المعين من ذلك ما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره، وهذا شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبليغ ما جاء به الرسول والجهاد في سبيل الله، وتعليم الإيمان والقرآن. (7).

فضل الدعوة الى الله تعالى :

(من فضل الله على السالكين سبيل الدعوة، التابعين طريق الأنبياء أنهم من أعلى الناس منزلا، وأرفعهم مكانة، ولا غرو فهم ورثة الأنبياء وحاملوا رايتهم، والمبشرون بدعوتهم ورسالتهم، ومن هنا فإن الحديث عن فضل الدعوة إلى الله تعالى وتوضيح منزلتها ومكانتها في الإسلام، وعوائدها على الفرد والمجتمع لا يحتاج لمزيد بيان،)(8)( وحسبنا منه تذكرة أن الله جل وعلا أثنى على هؤلاء الدعاة الذين يتهيئون لصيد الخلق إلى حياض الحق، فيقول سبحانه وتعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فصلت 33.

فتلك مرتبة عليا يبينها النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث علي بن أبي طالب عند الإمام البخاري: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) ، وكذلك يبينها لنا من حديث أبي مسعود عند الإمام مسلم: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) ، فيدفعك ذلك إلى أن تعرف هذا الأمر، وأن تعرف كذلك عظمة الثواب الذي يتصل فلا ينقطع، ويدوم دواماً في الحياة وبعد الممات، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث) ، وذكر منها: علمٌ ينتفع به، وهذا العلم هو ذلك التوريث للدعوة والسيرة الحسنة والقدوة الكاملة.) (9)

إن صلاح المؤمن هو أبلغ خطبة تدعو الناس إلى الإيمان . وخُلقه الفاضل هو السحر الذى يجذب إليه الأفئدة ويجمع عليه القلوب

وسائل الدعوة :

الوسائل كثيرة جدا لكنني هنا أكتفي بما هو متيسر للجميع من وسائل بسيطة وفي المتناول وهي :

1-     القدوة الحسنة : (إن صلاح المؤمن هو أبلغ خطبة تدعو الناس إلى الإيمان . وخُلقه الفاضل هو السحر الذى يجذب إليه الأفئدة ويجمع عليه القلوب . أتظن جمال الباطن أضعف أثرا من وسامة الملامح ؟ كلا ، إن طبيعة البشر محبة الحسن والالتفات إليه . وأصحاب القلوب الكبيرة لهم من شرف السيرة ، وجلال الشمائل ما يبعث على الإعجاب بهم ، والركون إليهم . ومن ثم فإن الداعية الموفق الناجح هو الذى يهدى إلى الحق بعمله ، وإن لم ينطق بكلمة ، لأنه مثل حي متحرك للمبادىء التى يعتنقها) (10)

2-      (اللسان: ويقتدي الداعي الحكيم بطرق وفنون الدعوة التي قام بها الرسل عليهم الصلاة والسلام بصفة عامة, وبطرق وفنون الدعوة التي قام بها محمد صلى الله عليه وسلم بصفة خاصة، ثم بالطرق الناجحة التي سلكها النخبة الممتازة من أصحابه رضوان الله عليهم، والتي سلكها تابعوهم بإحسان.والدعوة الحكيمة باللسان تتضمن الإقناع الهادىء بالحديث الخاص، والإقناع بالخطابة العامة، غير الموجهة لشخص بعينه، وباستمالة القلوب بكل قول لين كريم، وأدبي رفيع، وبياني مؤثر، وعرض الحقائق التي يراد الإرشاد إليها بطريقة غير مباشرة، كأن تكون قصة، أو على طريقة ضرب مثل) (11)

3-    (الكتابة نشرًا وشعرًا وما بينهما، ويكون ذلك عن طريق المؤلفات، والمقالات، وسائر المنشورات المكتوبة، التي تدخل إلى النفوس عن طريق الإقناع الفكري، أو عن طريق التأثير الوجداني.ولهذه الوسيلة أثرها الفعال عند كثير من الناس، ومنهم المصابون بعقدة الاستعلاء والاغترار بالنفس والإعجاب بالرأي، والمصابون بعقدة الكبر والعناد، فهؤلاء يصعب عليهم تلقي أية نصيحة مهما رق أسلوبها، وعذب لفظها، وتأخذهم العزة النفسية المقرونة بالإثم، متى وجه لهم ناصح أية موعظة مهما كانت حسنة لكنهم إذا قرأوا ذلك في كتاب أو في مقالة أو في شعر أمكن أن يدخل إلى نفوسهم دون أن يصطدم بما لديهم من عقد صماء.)(12)

هذه هي اخوتي مهمة المسلم بعد صلاحه في نفسه أن ينقل الصلاح لغيره تحت شعار أصلح نفسك و ادعو غيرك ، فإذا أدى كل مسلم دوره في الاصلاح و الدعوة فقد أنجز جزء مهما من رسالته في الحياة ، ولم يبقى إلا جزء واحدا نتناوله ان شاء الله تعالى في الحلقة الاخيرة من هذه السلسلة نفعني الله و إياكم بها و جعلها ذخرا لقارئها و كاتبها يوم لا ينفع مال و لا بنون …. آمين ….

(1)     فقه الدعوة الفردية

(2)     المنطلق نقلا عن مجموع فتاوي الشيخ بن تيمية 15/161

(3)     اصول الدعوة لعبد الكريم زيدان

(4)     المنطلق نقلا عن مجموع فتاوي الشيخ بن تيمية 15/164

(5)     اصول الدعوة لعبد الكريم زيدان

(6)     تفسير القرطبي 4/47 نقلا عن أصول الدعوة

(7)     المنطلق نقلا عن مجموع فتاوي الشيخ بن تيمية 15/165

(8)     دروس الشيخ علي بادحدح

(9)     تكوين الداعية بين الفقه و الدعوة لوصفي عاشور ابو زيد

(10)مع الله دراسة في الدعوة و الدعاة للشيخ الغزالي

(11) الحضارة الاسلامية اسسها ووسائلها لعبد الرحمن حسن

(12)الحضارة الاسلامية اسسها ووسائلها

 

 

تعقيب من موقعك.

نادي إسناد

Recent Posts

صور من فليكر