تزكية النفس (3)

أبو أيمن . المقالات 4010 3 تعليقات

من مقاصد الاسلام و غاياته تهذيب النفس و تربيتها على مكارم الاخلاق و محاسن العادات ، و ترويضها على فعل الطاعات و الخيرات ، والقرآن الكريم سمى ذلك ” تزكية ” في قوله تعالى(( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)) العلق، و لابن القيم رحمه الله طريقته في بيان ذلك المعنى في شرح قوله تعالى ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10))) الشمس ، فقال (المعنى : قد أفلح من كبرها وأعلاها بطاعة الله وأظهرها، وقد خسر من أخفاها وحقرها وصغرها بمعصية الله.

وأصل التدسية: الإخفاء، ومنه قوله تعالى: { يدسه في التراب } ، فالعاصي يدس نفسه في المعصية، ويحمي مكانها، ويتوارى من الخلق من سوء ما يأتي به، قد انقمع عند نفسه، وانقمع عند الله، وانقمع عند الخلق . فالطاعة والبر تكبر النفس وتعزها وتعليها حتى تصير أشرف شيء وأكبره وأزكاه وأعلاه، )(1)  .

و نحن في هذا المقام ندعو شبابنا و ذواتنا إلى ضرورة تزكية أنفسنا و صقلها ، سيرا نحو الكمال و الرفعة الاخلاقية ، و استكمالا لما حل بها من نقص .

قال شاعر الدعوة الاستاذ وليد الأعظمي :

كن رابط الجأش وارفع راية الأمل

                                           وسر إلى الله في جد بلا هزل

وإن شعرت بنقص فيك تعرفه

                                      فغذ روحك بالقرآن واكتمل

وحارب النفس وامنعها غوايتها

                                      فالنفس تهوى الذي يدعو إلى الزلل (2)

خطر عدم تزكية النفس :

عدم تزكية النفس و تركها بين أمواج الهوى و كيد الشيطان يورث في القلب الوهن و الضعف والنبي صلى الله عليه و سلم حدثنا عن ذلك فقال : ” يوشك أن تداعى عليكم الأمم ، كما تداعى الأكلة الى قصعتها ، قالوا : أمن قلة نحن يا رسول الله يومئذ ؟. قال : بل أنتم كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، وسينزعن الله الرهبة منكم من قلوب أعدائكم ، وسيقذفن في قلوبكم الوهن ، قالوا : وما الوهن ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت “(3)

(وانما ينبع هذا الخطر الكبير من مصدر واحد ، هو تعلق القلب بالدنيا ووضعها في أعلى من المرتبة الحقيقية التي وضعها الله عز وجل فيها . الدنيا ليست ، كما يتوهم البعض محصورة في الدرهم والدينار والأرض والعقارات . وانما هي تتمثل في سائر الشهوات التي تميل اليها النفس ، كالمكانة ، والجاه ، والزعامة ، والكبر ، والركون الى مختلف مظاهر النعيم . فكل ذلك من الدنيا التي ابتلى الله الانسان بها ليجاهد نفسه في التعالي عليها والتحرر من أسرها ، وليسوقها بعد ذلك مطية في طريق مرضاة الله تعالى .

فعندما يتعلق القلب بأهواء الدنيا ، ولا يقوى على التحرر من أسرها ،ولا يجاهد الرجل نفسه في محاولة ذلك ـ يتفرع عن ذلك شتى الأمراض القلبية التي تعتبر من أعظم الآفات الخطيرة في حياة المسلمين . فيبتلى القلب بالكبر والحسد والرياء والعجب وشتى الضغائن والأحقاد ، ويتغلب الشح على النفس ويشيع فيها الزهد في الآخرة ومثوبتها ، ويقل الخوف من عقاب الله وعظيم عذابه ، ويتحول الجهاد عندئذ الى تنافس على الدنيا ، بعد أن كان سعياً للتحرر من رقها والاستعلاء على مغرياتها ) (4)

كيفية تزكية النفس :

أو قل إن شئت ….كيفية السير إلى الله تعالى ؟؟

(السير إلى الله يعني الانتقال من نفس غير مزكاة إلى نفس مزكاة، ومن عقل غير شرعي إلى عقل شرعي ومن قلب كافر أو منافق أو فاسق أو مريض أو قاس إلى قلب مطمئن سليم، ومن روح شاردة عن باب الله غير متذكرة لعبوديتها وغير متحققة بهذه العبودية إلى روح عارفة بالله قائمة بحقوق العبودية له، ومن جسد غير منضبط بضوابط الشرع إلى جسم منضبط انضباطاً كاملاً بشريعة الله عز وجل، وبالجملة من ذات أقل كمالاً إلى ذات أكثر كمالاً في صلاحها وفي اقتدائها برسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً وحالاً)(5) .

 و هذه بعض الوسائل المعينة على تزكية النفس :

–         التزام ورد دائم منتظم من قراءة كتاب الله تعالى ، وما يتبعه من التسبيح والاستغفار وذكر الله تعالى .أما قراءة كتاب الله تعالى فما أظن أنك بحاجة الى سرد ما ورد من الأحاديث الصحيحة في فضل تلاوته وتدبره ولم يقع خلاف بين المسلمين في أن التقرب الى الله تعالى بتلاوة كتابه يعد من أفضل القرب الى الله عز وجل .

–      فعل الطاعات وترك المحرمات والصبر على ذلك كله: ففي الطاعات نور القلب وانشراح الصدر وهمة الجوارح وفي المحرم ظلمة القلب وضيق الصدر وكسل الجوارح وعجزها.
يقول بن القيم رحمه الله (وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة ، المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله . فمنها : حرمان العلم ، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب ، والمعصية تطفئ ذلك النور . ولما جلس الإمام الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته ، وتوقد ذكائه ، وكمال فهمه ، فقال : إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا ، فلا تطفئه بظلمة المعصية .

وقال الشافعي رحمه الله :

شكوت إلى وكيع سوء حفظي   فأرشدني إلى ترك المعاصي

وقال اعلم بأن العلم فضل         وفضل الله لا يؤتاه عاصي )(6)

–       محاسبتها ومجاهدتها للتغلب على الهوى والشيطان والدنيا؛ قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسَبوا، وزنوها قبل أن تُوزَنوا، وتزينوا ليوم العرض على الله: (( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ )) الحاقة: 18.

–        الصحبة النافعة التي تعين على تربية النفس وتزكيتها والبعد عن كل ما يضرها ويهلكها
قال تعالى ((يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29))) الفرقان

–       التعرف على الاخلاق الفاضلة و حمل النفس على التحلي بها ، و التعرف على الاخلاق السيئة و حمل النفس على تجنبها .

فضل تزكية النفس :
أهم فضل و أجر يناله العبد من تزكيته لنفسه هو رضى الله تعالى و الجنة قال الله تعالى في محكم تنزيله : ((وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) النازعات . و نصيبه الفلاح و النجاح في قوله تعالى ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) الشمس

فاللهم ألهم نفوسنا تقواها و زكها أنت خير من زكاها أنت وليها و مولاها .

 


(1) الجواب الكافي / 70

(2) ديوان الشعاع / 162

(3) رواه ابو داود وسنده صحيح

(4)كتاب باطن الاثم للشيخ البوطي رحمه الله

(5) تربيتنا الروحية للشيخ سعيد حوى رحمه الله

(6) الداء و الدواء

نادي إسناد

Recent Posts

صور من فليكر