الانسان كائن عاقل باحث عن الحقيقة ، و لا يرتاح باله إلا بعدما يجد إجابات مقنعة لجميع أسئلته التي يطرحها ،

و أخطر الأسئلة و أهمها تلك التي ترتبط بوجوده و مصيره وقد عبر عنها الشاعر إيليا أبو ماضي في أبيات فقال :

 

جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت

ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت

وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟

لست أدري

أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود

هل أنا حرّ طليق أم أسير في قيود

هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود

أتمنّى أنّني أدري ولكن…

لست أدري

وطريقي، ما طريقي؟ أطويل أم قصير؟

هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور

أأنا السّائر في الدّرب أم الدّرب يسير

أم كلاّنا واقف والدّهر يجري؟

لست أدري

لكن الشاعر الحائر لم يجد اجابات لها لأنه قصد الجهة الخاطئة أو اعتمد على عقله القاصر ، و غيره كثير من الباحثين و الفلاسفة حاولوا الوصول إلى الحقيقة دون جدوى ، بل منهم من وضع فرضيات أثبت العلم و المنطق بعدها عن الصواب كمن زعم أن الطبيعة قد أوجدت الانسان و الكون.

 

لكن الله تعالى رفع الحيرة و أزال اللبس و الغموض فبعث أنبياءه و رسله و أنزل كتبه ليخبر الناس عن سر وجودهم و غايتهم في الحياة . و نحن هنا كمسلمين نذكر شبابنا بأن وحي الله تعالى متمثلا في القرآن و السنة قد تولى بيان ذلك بيانا شافيا ليس بعده إلا الضلال و التيه .

 

فالشباب المسلم اليوم أولى خطواته في رسالته أن يفهم حقيقة وجوده و مصيره فهما صحيحا فهذا الفهم أساس لما بعده .و لنبدأ على بركة الله تعالى :

1 . بدء الخلق :

قبل آدم .. قبل الملائكة .. قبل السموات والأرض .. قبل كل شئ .. كان الله .. الله تعالى وحده

قال الله تعالى :

” وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ  ” (7) هود

وقال الإمام أحمد في مسنده عن ابن رزين قال:

قلت يا رسول الله أين كان ربنا عز وجل قبل أن يخلق خلقه .. قال : كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء .

رواه أحمد والترمذي وابن ماجه

*و كلمة عماء تعني سحاب أو فراغ لاشئ معه .

وعن عمران بن حصين قال :

جاء وفد من اليمن فقالوا يا رسول الله جئنا لنتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا الأمر …( أي أن يحكي لهم كيف كانت بداية الخلق ) .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث للبخاري: كان الله ولم يكن شئ قبله .

2 . ترتيب الخلائق :

قال النبي صلى الله عليه و سلم : ” إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ: اكْتُبْ، فَقَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ مَا كَانَ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الْأَبَدِ “ رواه الترمذي.

ثم…

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم بِيَدِي، فَقَالَ: ” خَلَقَ اللَّهُ عز وجل التُّرْبَةَيَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ، فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ “ رواه مسلم

المكروه : وَهُوَ مَا يَقُوم بِهِ الْمَعَاش، وَيَصْلُح بِهِ التَّدْبِير كَالْحَدِيدِ وَغَيْره مِنْ جَوَاهِر الْأَرْض .

 

 3 . خلق الانسان :

جاء في السنة النبوية …

عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم: ” إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ “

رواه الترمذي

 

4 . لماذا خلق الانسان :

لقد خلق الله تعالى الانسان لمهمة عظيمة و كبيرة شرفه بها عن باقي الخلائق و حمله المسؤولية و سيسأله عنها يوم القيامة وهي :

خلافة الله تعالى في أرضه و عبادته وحده .

قال الله تعالى : ((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً…)) البقرة 30

                    ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) الذاريات 56

فالمهمة واضحة و الغاية أوضح عبادة الله تعالى و خلافته في الأرض .

 

5 . مصير الانسان :

لكل بداية نهاية …فمثلما بدأ الله تعالى الخلق فإنه سينهيه … لتبدأ مرحلة جديدة

مرحلة الحساب …ثم المكافأة في الجنة …. أو المعاقبة في النار .

قال تعالى:

((كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)) النمل 57

((كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام )) الرحمان 26

و في الأخير : بعد الحساب ..

((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)) النمل 58

((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ)) النمل 68

أظن الشاب المسلم بعد هذا البيان من الوحي قد فهم سر وجوده في الحياة و ما هو مصيره بعد الممات ، ليشمر عن سواعده و ينطلق في الكون عابدا لله تعالى متمسكا بدينه و هو يصنع الحياة ليحقق خلافة الله تعالى في الأرض .