التنمية البشرية …بين تغيير القناعة و ترويج البضاعة

عبد الفاضل عثماني . المقالات 3976 8 تعليقات

كثيرا ما نسمع عن مصطلح التنمية البشرية كلاما يستحق الوقوف و الاهتمام، نظرا للانتشار الواسع الذي شهدته مؤخرا عبر العالم ، هذا الانتشار الذي أسال الكثير من الحبر و أثار الفضول و الجدل الكبيرين ، مما يدعو إلى التأمل و الوقوف عنده وقفة موضوعية حقيقية ..

 

ومما يلاحظ في الواقع اليوم وفي ظل هذا الاهتمام الكبير بأمرها ، أننا صرنا نسمع عن دورات تنظّم و جلسات تُعقد ومحاضرين و مدربين و أساتذة متخصصين و غير متخصصين، ينظمونها في كل يوم بل تكاد تكون في كل ساعة تقريبا…

و خلال فترة ليست بالقصيرة لمسنا ما يشبه الهوس بأمور التطوير الذاتي و الشخصي في كثير من مجالات الحياة وجوانبها …

لذا وجدنا من المهم بل من المُلحّ علينا كجمعية مهتمة بالمجال الثقافي عموما ، تحاول دائما أن تقدم كل ما هو جديد مفيد للمجتمع من خلال نشاطاتها الثقافية ، أن نتساءل عن جدوى و أهمية التنمية البشرية للأفراد و الجماعات ، و هل بالفعـل تستحـق كل هذا الضجيــج و الاهتمام ؟؟ أم ثمة مبالغة في هذا الأمر  ؟؟؟؟

و دعوني في هذا الصدد أن أؤكد – كمهتم باحث في هذا المجال – على أمور كثيرة لمستها في كثير من الناس منها : أنهم في شغف كبير بل و متعطشون لمن يعلمهم مهارات جديدة و أفكار تساعدهم على مواجهة الإخفاق و الفشل في حياتهم ، و يحتاج الواحد منهم إلى أن يطور نفسه و يتعرف على نقاط ضعفه و قوته ، و يتعلم كيف يعلو بنفسه و يدير حياته و يبني علاقات ناجحة حتى يتعامل مع الحياة بطريقة مختلفة .

وهنا أقول : لا يستطيع أن يُنكر مُنكر أننا فعلا بحاجة إلى أن نشعر أننا أفضل مما نحن عليه الآن و جميعنا نشعر أننا لم نصل إلى قمة أدائنا في هذه الحياة ، لنا أهداف و أحلام و طموحات لكننا لا نعرف كيف نصل إليها و لا حتى كيف نراها و نحددها ، نحن بحاجة إلى أن نهتم بتغذية النفس كاهتمامنا بتغذية الجسد فترانا نحجم و نتردد غالبا عندما يتعلق الأمر بالمشاكل النفسية و العقلية و نتردد في زيارة الطبيب النفساني لأننا لا نريد أن نُعامل كمجانين ، إلى أن ظهرت التنمية البشرية لتعطينا من الأفكار الإيجابية التي تغنينا عن الوقوع في حرج ما نعتبره – توهما – حرجا و مرضا نفسيا . جاءت التنمية البشرية لتعيد الثقة إلينا حتى ننظر إلى الحياة نظرة إيجابية تشعرنا بالتفاؤل و القدرة على التغلب على أصعب المشكلات و أعقدها على الإطلاق.

T-shirtt

و لا أريد في هذا المقام- كمهتم في هذا المجال و مدرب فيه- أن تأخذني الحماسة و العاطفة المفرطة تجاه هذا الأمر، لأننا تعودنا في كثير الأحيان إذا ما أعجبنا أمر ما فإننا نبالغ في وصف محاسنه و صفاته إلى حد كبير ، حتى نجعله أشبه بالأسطورة ، بل و نعطي الأمور أكثر مما تستحق ، و لأنني أريد أن أرى الأمر بعقل الإنسان المنهجي و العلمي الذي لا يقنعه إلا ما يرضي العقل و المنطق والحجة و الدليل المنطقي ،

و بعين المنقّب المحقق الذي لا يرى من الأشياء إلا ما يدل على حقيقتها كما هي في الواقع لا كما يصورها له غيره ….لذا و جدتُ من الواجب علىّ بل من اللازم أن أقف على بعض الملاحظات التي لمستها و شهدتها و استغربتها أحيانا و وجدت فيها ما يشبه الترف الفكري الذي قد يغني قليله عن كثيره …و إليكم أهم تلك الملاحظات :

أولها : ميل كثير من المدربين إلى تقديم صورة مثالية عن الموضوع دون تقديم حجج و أدلة منطقية مقنعة فتبقى مجرد نظريات و أفكار غير واقعية

ثانيها : الاستخفاف بالعقل أحيانا في بعض المواضيع و الأفكار و الإعلانات البراقة أو فلنقل الإعلانات التجارية  التي تجد منها ما يغري فضولك فتُكتب بالبند العريض مثلا ..كيف تحقق أحلامك في ظرف كذا ..و يعطيك وقتا قياسيا خياليا لا يمكن تجسيده في الواقع .

وثالثها :وهو الأهم  تلك الأسعار الخيالية و المبالغ فيها غالبا …ودعوني أقف هنا على حقيقة مهمة لا أستطيع إلا أن أوضحها و أبينها وهي : إن العلم أغلى من أن يقاس بالمال ..و أن يقدّر بثمن ..هذا صحيح ..لكن أيضا لا يجب المتاجرة به إلى حد المبالغة و النهم الشديد لجمع المال كما يفعل كثير من التجار ..

و أنا أرفض أن يستغل بعض المدربين حاجة الناس إلى صقل مهاراتهم ..أن يفرضوا عليهم تكاليف باهظة بحجة أنه الأفضل في هذا المجال …صحيح أن المدرب قد تعلم و سهر و التقى كبار المدربين و أنفق في سبيل ذلك الجهد و المال ، و مع ذلك لابد له أن يحترم عقول الناس و يقدر حاجتهم و رغبتهم في التعلم و اكتساب المهارات و تطوير ذواتهم واكتشاف قدراتهم .

و رابعها : وهو الأخطر، الاعتماد غالبا على مدارس و شخصيات غربية وهذا في حد ذاته ليس عيبا لكننا نحن المسلمين لدينا النبع الصافي الذي لا ينضب ، القرآن الكريم و السنة النبوية الشريفة والذيْن ما إن تمسكنا بهما لن نضل أبدا …فالغرب يقدم الحلول حسب رؤيته و دينه و ثقافته ..يقدم حلولا لا تناسبنا و أفكارا تصطدم مع عقيدتنا و ديننا في غالب الأحيان و طقوس تستخف بعقولنا …بل منا من يضع الآيات و الأحاديث التي لا تناسب الموضوع أصلا و هذا الأمر ليس بالسهولة بما كان .

و خامسها : أن المدرب يجنح غالبا إلى استعمال العناوين و الألقاب المبهرة فيصنع منها  ما لا يعبر عنه  بل هي أكبر منه ومن مستواه العلمي ، كأن تجد أحدهم يستعمل لقب رائد التنمية البشرية أو مؤسس كذا أو دكتور في كذا أو المدرب العالمي ..أو غيرها من الألقاب و العناوين التي لا تدل على أصحابها …

msلذا أستطيع أخيرا أن أعتبر بعد كل الذي ذُكر آنفا أن التنمية البشرية علم وفن له سلاح ذو حدين : فهو علم حديث له قواعده و أسسه و فن في نفس الوقت تظهر إيجابياته عندما يعتمد الأخلاق الحميدة و الحقيقة العلمية الدقيقة بالحجة و الدليل العقلي الذي يحترم عقول الناس بعيدا عن الأهواء و العواطف و الطلاسم و الطقوس الغربية و الغريبة بعض الأحيان ..

يكون مفيدا لنا إذا اعتمد الشريعة الإسلامية ومبادئها كمرجع رئيس في تطوير الذات ومهاراتها و قدراتها مما يساعد على دفع عجلة التقدم و النهضة في المجتمع العربي و الإسلامي

ومن جهة أخرى له سلبياته إذا اعتمد فقط على الطقوس و الأفكار الغربية التي لا تتناسب و المبادئ و العقائد السليمة و عندما تكون أفكاره مبنية على الأهواء و الطلاسم و يكون الهدف الأكبر فيه متعلق بالربح المادي المحض..

وختاماَ أنا هنا لا أدّعي أنني قد أحطت بهذا الموضوع من كل جوانبه بالرغم من أنني قرأت الكثير من الكتب و المراجع و المقالات في هذا المجال و استمعت و تابعت كثيرا من المحاضرين و المدربين و حضرت بعض الدورات التدريبية ..إلا أن هذا الموضوع أكبر من أن أحصره في بضعة أسطر ..فقط و جدت أنه من واجبي أن أسلط الضوء على جانب منه من خلال إطلاعي المتواضع عليه وهو مجرد رأي شخصي قد أكون مصيبا فيه و قد أكون مخطئا …فالإنسان لا يسلم من الخطإ و الزلل .

هذا و إن كنت أخطأت فمن نفسي و الشيطان و إن كنت أصبت فمن الله عز وجل ..وما توفيقي إلا بالله ..فهو نعم المولى و نعم النصير

و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته

 

عبد الفاضل عثماني

رئيس جمعية الأمل | أستاذ ثانوي (لغة عربية و آدابها )| مدرب معتمد في التنمية البشرية | مدرب معتمد في صناعة التفوق الدراسي

نادي إسناد

Recent Posts

صور من فليكر